انعكاسات جائحة فيروس كورونا المستجد تعيد تحديد معالم قطاع التعليم العالمي من جديد

مدونة الرئيس التنفيذي

لقد أدّى ظهور فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) وانتشاره السريع مطلع العام 2020 إلى مواجهة الجهات الفاعلة في قطاع التعليم حول العالم كمّاً هائلاً من التحدّيات، وكذلك إلى دق ناقوس الخطر وتنبّه الناس إلى تداعيات الفيروس غير المتوقّعة. وتلقّت قطاعات التعليم ضربة موجعة في الصميم نتيجة الصدمة التي أحدثتها هذه الجائحة وأسفرت عن تغيير المقاربات التربوية التقليدية بين ليلة وضحاها واستبدالها بنماذج تتيح الفرص التعليمية المناسبة لكلّ دولة.

بالتزامن مع الاحتفال باليوم الدولي للتعليم الذي تحييه الأمم المتحدة هذه السنة تحت عنوان "استعادة العملية التعليمية وتنشيطها للجيل الذي عايش جائحة كوفيد-19"، علينا أن نعمل معاً على مواجهة التحدّيات والصدمات اللاحقة المتوقّعة التي فرضتها الجائحة على منظومة التعليم العالمية.

كان العام 2020 حافلاً بالتحوّلات والضغوط بالنسبة إلى الطلاب والمدرّسين والمعلّمين والقادة التعليميين والأهل ومقدّمي الرعاية. وفي حين بدأت بعض الدول باعتماد أساليب التعلّم عبر الانترنت والتعلّم المدمج على السواء، لم تركب غالبية البلدان هذه الموجة وباتت بحاجة إلى الدعم النفسي والاجتماعي.

يُعتبر التعليم بالنسبة إلى الأطفال المحرومين منقذ للحياة، فهو بارقة الأمل التي تستطيع انتشالهم من دوامة الضعف المستمرة.

في البلدان النامية والمجتمعات المحلية الضعيفة، وجد المعلّمون والطلاب الذين اضطروا إلى التكيّف فوراً مع أساليب التعلّم عبر الانترنت أنفسهم معرّضين لخطر التهميش إلى حدّ أكبر. وأدّت الفجوة الرقمية إلى جانب النقص في الأدوات اللازمة لتشغيل وتفعيل أساليب التعلّم عبر الانترنت خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً إلى وضع لا يُحتمل. وتدق الأزمة التي تعصف بقطاع التعليم ناقوس الخطر إلى حدّ كبير، وفي حال لم تُتخذ أيّ إجراءات فورية لدعم نظم التعليم الهشة أساساً، ستتحوّل الانعكاسات السلبية التي تلحق بإمكانية الحصول على التعليم الأساسي إلى أحد التحدّيات التي يواجهها العالم على المدى الطويل.

تعهدت الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة عند اعتمادها خطة التنمية المستدامة لعام 2030 بضمان "عدم ترك أحد خلف الركب" وبأنه ينبغي بها السعي إلى "الوصول إلى الأكثر تخلفاً عن ركب التنمية أولاً" للحد من أوجه عدم المساواة والفقر المدقع من بين أمور أخرى. ولم نكن نتوقّع بأن يؤثر فيروس كورونا المستجد بهذا الشكل في الأطفال والشباب المستضعفين خلال عام واحد، بحيث أنهم لم يُتركوا خلف الركب فحسب، بل باتوا الآن أكثر تخلفاً عما كانوا عليه قبل الجائحة.

تتوقّع اليونيسف أن يقع المزيد من الأشخاص في فخ الفقر بين العامين 2019 و2021، نظراً إلى فقدان الأسر مصادر دخلها نتيجة فيروس كورونا المستجد وتخبط الدول في الركود الاجتماعي والاقتصادي. واستناداً إلى هذه التوقّعات، واعتباراً من نوفمبر 2020، سيزداد عدد الأطفال الذي يعيشون في كنف أسر معيشية فقيرة من الناحية النقدية في البلدان النامية بحوالى 142 مليوناً بحلول نهاية العام. وعليه، قد يصل العدد الإجمالي للأطفال في الأسر المعيشية الفقيرة حول العالم إلى أكثر من 725 مليوناً في ظل غياب السياسات الرامية إلى التخفيف من وطأة هذه المخاطر والتداعيات.

يشير شهر يناير إلى بداية عام جديد حيث يزداد الأمل والرجاء بعام أفضل. وترافق الاحتفالات باليوم الدولي للتعليم هذه السنة مخاوف حيال استمرار الجائحة والتراجع الاقتصادي، ما من شأنه أن يقوّض فرص التعليم حول العالم. غير أن ذلك قد يشكل نقطة البداية، ومنصة لانطلاق الشخصيات النافذة في قطاع التعليم من أجل البحث في المسارات البديلة للوصول العادل إلى التعليم، حيث يكون الأطفال كلهم مهمون - أينما ولدوا وأينما عاشوا. وخير مثال على التعاون في عهد فيروس كورونا المستجد يكمن في التحالف العالمي الذي أطلقته اليونسكو في إطار الاستجابة لتأثيرات هذا الفيروس، إذ إنه يرمي إلى معالجة فجوات الاتصال وتسهيل فرص التعلّم الشامل (علماً بأنه يضمّ وكالات الأمم المتحدة والمجتمع المدني وشركاء في قطاعَي الإعلام وتكنولوجيا المعلومات).

وفي العالم العربي، كانت مؤسسة عبد الله الغرير للتعليم ملتزمة منذ إنشائها بالسعي إلى تحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، ألا وهو التعليم. ويشرّفنا بأن نكون متواجدين في دولة الإمارات العربية المتحدة التي جعلت التعليم في صدارة أولوياتها بفضل مبادرات على غرار الأجندة الوطنية لرؤية الإمارات 2021 ومئوية الإمارات 2071. هذا وركّزت التزامات القطاع العام على تحديد معالم الاقتصاد المعرفي الذي يشجع الابتكار والأبحاث والعلوم والتكنولوجيا. وقبل أعوام عديدة على ظهور فيروس كورونا المستجد، تمّ توزيع باقات الانترنت المجانية عبر الهاتف الجوال على الطلاب في المناطق النائية ومُنحوا إمكانية الوصول الواسعة إلى الإنترنت لتمكين التعلّم عبر الانترنت. ويستطيع المواطنون الإماراتيون الالتحاق بالجامعات مجاناً، وتشكّل مؤسسات التعليم الجامعي حاضنات للابتكار، فيما عمدت جامعات عريقة مثل جامعة السوربون إلى إقامة أحرام جامعية في الدولة.

في المقابل، لم تحقق جهات القطاع العام في المنطقة النتائج الإيجابية نفسها من حيث تعزيز التزامها بتطوير التعليم كما هو الحال في الإمارات. فقامت مؤسسات العطاء على غرار مؤسسة عبد الله الغرير للتعليم بتكثيف جهودها ومساعيها من أجل توفير الدعم اللازم لتقديم فرص التعليم الجيد الشامل والعادل للجميع. وبشكل خاص، يضطلع التعليم الجامعي بدور رئيسي في تمكين الشباب المحرومين وانتشالهم من حياة الضعف والحرمان. في هذا السياق، وضعت مؤسسة عبد الله الغرير للتعليم، بعدما أدركت التحدّيات التي تحول دون الوصول إلى التعليم الجامعي الجيد في منطقة تعصف بها النزاعات، برامج لدعم الطلاب العرب ضمن مسار الطالب-الموظف الكامل: بدءاً من المنح الدراسية وبرامج الإرشاد والتدريب ووصولاً إلى فرص العمل.

في حين أسفر فيروس كورونا المستجد عن تباطؤ الأنشطة في مختلف أنحاء المنطقة وإلى توقفها حتى، بدأت المبادرات الجارية مثل برنامج الغرير للمفكرين اليافعين الذي يسعى إلى دعم تنمية مواهب الشباب الإماراتي والعربي بحشد الزخمة ونحن نقوم بترسيخ شراكاتنا الدولية والإقليمية والمحلية الجديدة خلال هذه المرحلة. وفي هذا الإطار، ستعمل مؤسسة عبد الله الغرير للتعليم على إطلاق برنامج التدريب المكثّف حول الابتكار وريادة الأعمال بالتعاون مع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وهو كناية عن برنامج مختلط لتنمية المواهب يتمّ تنظيمه بالتعاون مع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة الإمارات العربية المتحدة. وسيشارك في هذا حوالي 120 شاباً وشابة وموظفاً شاباً في الإمارات لصقل المهارات وشخذ فطنتهم في مجال الأعمال والتفكير النقدي والريادة والتواصل والعمل الجماعي. كما ستشمل ورشة العمل التي تمتد على 10 أسابيع والمستوحاة من البرنامج رفيع المستوى الذي ينفذه معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في منشآته دورات تدريب وجهاً لوجه في المراكز في أبو ظبي ودبي والعين، وستتضمّن مناقشات حول التحدّيات التي يواجهها الشباب على مستوى التوظيف في المنطقة. ومن أجل توسيع نطاق هذه الفرص خارج الفصول الدراسية، سيجري احتضان الأفكار الفائزة لمدّة ستة أشهر في منتزه جامعة الإمارات للعلوم والابتكار، حيث سيتمّ عرض المشاريع لجمع التمويلات المحتملة في إطار إكسبو 2020.

كما أبرمت مؤسسة عبد الله الغرير للتعليم مؤخراً اتفاقية شراكة مع وزارة التربية والتعليم الإماراتية وتسع جامعات رائدة في الإمارات بهدف إطلاق ائتلاف جامعات الإمارات لجودة التعلم عبر الإنترنت سعياً لأن تكون برامج التعلّم عبر الانترنت متاحة لمجموعة أكبر من الطلاب المحرومين من دولة الإمارات والخارج. ومن خلال إحداث تغيير مؤسسي على المستوى الجامعي عبر اتحاد الجامعات الإماراتي لجودة التعلم عبر الانترنت، سيكون أصحاب المصلحة الرئيسيون متسلّحين بالخبرة التكنولوجية لتصميم وتطوير وتقديم برامج تعلّمية معتمدة وذات جودة عالية عبر الانترنت، تعود بالفائدة في نهاية المطاف على الطلاب وتساعدهم على التفوّق والتميّز في مسارهم التعلّمي.

ماذا يعني ذلك فعلاً لمواطن عربي يبلغ من العمر 19 عاماً ويتحدر من أسرة تعاني حرماناً؟ ويستطيع هذا المواطن متابعة تحصيله الجامعي ونيل شهادة جامعية في وقت يعمل فيه لدعم أسرته ومساعدة إخوته الأصغر سناً الذين لا يزالون على مقاعد الدراسة.

في خضم عملية التعافي والتحوّل التي يعيشها عالمنا اليوم، كلنا أمل بأن تساهم الدروس المستفادة من هذه الأزمة الجماعية في وضع رؤية أكثر عملية للتعليم، بفضل الالتزام المعزز للقطاعين العام والخاص ببناء القدرات المؤسسية ومشاركة المعلومات والتعاون بين أصحاب المصلحة المتعددين. والأهم من ذلك يكمن في ضرورة الاعتماد على عمليات التقييم لوضع سياسات مستنيرة بشأن تعافي التعليم حالياً وفي أعقاب أزمة فيروس كورونا المستجد بفضل خطط الطوارئ المدمجة لكي نكون قادرين على إعادة ضبط ووضع نظم تعليم شاملة ومستدامة تتسم بالكفاءة من حيث التكلفة وتخدم مصلحة شبابنا كلهم.

مدونة الرئيس التنفيذي
News Imiage

انعكاسات جائحة فيروس كورونا المستجد تعيد تحديد معالم قطاع التعليم العالمي من جديد

مدونة الرئيس التنفيذي

انعكاسات جائحة فيروس كورونا المستجد تعيد تحديد معالم قطاع التعليم العالمي من جديد

مدونة الرئيس التنفيذي

إقرأ المزيد

ابق على اتصال

احصل على أحدث إعلاناتنا

/node/457/

التسجيل