أهمية المنح الدراسية

أهمية المنح الدراسية

ما نتعلمه

المنح الدراسية هي أشبه بشهادة تميز تمنح للطلبة الموهوبين لكن غير المقتدرين لتمكنهم من متابعة التحصيل العلمي بجامعات تنافسية، والحصول على وظيفة جيدة، والنجاح في حياتهم

يقول سانجاي سارما، البروفيسور في الهندسة الميكانيكية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT): "لقد مكنتني المنح الدراسية من متابعة دراساتي العليا والحصول على شهادة الماجستير ثم الدكتوراه". ويضيف سارما، قائلاً بأنه لولا المنح الدراسية "لما استطعت تحمل تكاليف السفر والدراسة في أميركا. لقد نشأت في الهند، وبالرغم من أن والدَي كانا مثقفان، فهما لم يكونا ثريان لدرجة أن يتمكنا من إرسالي للدراسة في أميركا".  

اليوم، بعد مرور نحو عشرون عاماً، يتولى سارما منصب عميد التعليم الرقمي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، كما هو رائد أعمال يحمل عدد من براءات الإختراع. وهو يعزى الفضل بنجاحه إلى المساعدة التي حظي بها في وقت مبكر في حياته عن طريق المنح الدراسية، فيقول: "يجب ألّا ننظر إليها بأنها منح دراسية فقط، بل هي استثمارات في المستقبل".

قصة سارما ليست بقصة يندر حدوثها، خاصة في الولايات المتحدة حيث تشكل المنح الدراسية جزءً مهماً من التراث الأكاديمي. وقد ساهمت هذه المنح التي تهدف إلى مساعدة الطلاب غير المقتدرين على متابعة دراساتهم الجامعية في إبراز مواهب خلاقة ما كانت ستعرف لولا تلك المنح. أما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فالمنح الدراسية المتوفرة للطلاب اللامعين في الجامعات التي تتمتع بسمعة جيدة هي قليلة ومتباعدة ـ هذا على الرغم من أن المنطقة لم تكن أحوج لفرص التعليم الجامعي الجيد للشباب الواعد كما هي اليوم. فضلاً عن هذا، فإن نسبة التحاق الشباب من الحاصلين على الثانوية العامة في الجامعات لا تتعدى 28 بالمئة في المنطقة، مقارنة بـ 76 بالمئة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).

"يجب ألّا ننظر إليها بأنها منح دراسية فقط، بل هي استثمارات في المستقبل"

إن التعليم المتدني المستوى في كثير من المدارس والذي يحد من قدرة الطلاب في الحصول على العلامات المطلوبة في الامتحانات، فضلاً عن أجواء الفقر والعوز، تحجب عن الكثير من الشباب الواعد فرصة الانضمام إلى أفضل الجامعات داخل دول المنطقة أو في الخارج. والأسوأ من ذلك هو أن النزاعات المسلحة في المنطقة قد أدت إلى إقصاء جيل كامل من اللاجئين عن الدراسة، وهم إما يفتقرون إلى المال أو السجل الدراسي الذي يخولهم دخول الكليات والجامعات. ومسألة إلحاق هؤلاء الشباب الصغار بمؤسسات جامعية جيدة سينشلهم من مستقبل مجهول ويضعهم في مسار يمكّنهم من تحقيق آمالهم. ولاشك أن مساعدة أعداد أكبر من الشباب على دخول الجامعات بشكل عام، وخاصة التي تتميز بتنافسيتها، هو أحد الوسائل الحاسمة في تخفيض مستويات البطالة المزمنة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والتي تطال تقريباً ثلث شبابها ـ وهي أعلى نسبة في العالم. 

وقد بادرت مؤسسة عبدالله الغرير للتعليم من جهتها بالتعامل مع هذه المشكلة من خلال اطلاق برنامج المنح الدراسية الخاص بها. وفي هذا الاطار تقول مايسة جلبوط، الرئيس التنفيذي للمؤسسة: "هناك العديد من المبادرات الخيرية وبعض المؤسسات الصغيرة التي تقدم منح دراسية في العالم العربي، لكن الطلب يفوق العرض بشكل كبير". 

سيساعد برنامج مؤسسة عبدالله الغرير للتعليم الطلاب الإماراتيين والعرب في مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الانضمام إلى أفضل الجامعات في المنطقة وفي بعثات إلى الخارج خلال السنوات القادمة. وسيتم البت في كل طلب منحة على حدى وفقاً لنتيجة تقييم الحاجة المادية والسجل الأكاديمي للطالب، بالإضافة إلى اعتبارات أخرى مثل المهارات القيادية ومهارات التواصل للطالب المرشح ورغبته برد الجميل. وتوضح جلبوط بأن المنحة يمكن أن تكون شاملة ـ أي تتكفل بكل المصاريف المرتبطة بالدراسة مثل الأقساط وبدل السكن والكتب والمواصلات ـ أو جزئية. كما ستسعى المؤسسة إلى تحديد المرشحين المحتملين للاستفادة من المنح مباشرة مع الطلاب أو عن التعاون مع الجامعات. ولغاية اليوم. عقدت المؤسسة شراكات مع كل من الجامعة الأميركية في الشارقة وجامعة خليفة في دولة الإمارات، والجامعة الأميركية في بيروت، والجامعة الأميركية بالقاهرة، بالإضافة إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) فيما يتعلق بالتعلم عن طريق الإنترنت. 

وتوضح مايسة جلبوط، قائلة: "نحن نستهدف الشباب الذين لا تراودهم أبداً فكرة التقديم على الجامعة لأن تسديد قسط حتى لو لم يتعدى الألف دولار في السنة قد يكون بعيد المنال لهم". الفكرة هي تشكيل مجموعة من الطلاب المتميزين القادرين على استخدام التعليم الذين تلقوه لإيجاد فرص أفضل في الحياة لهم ولأسرهم ولمجتمعهم المحلي. 

لا توجد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بيانات تذكر حول أثر المنح الدراسية على المجتمع (وهذه مسألة تأمل مؤسسة عبدالله الغرير للتعليم بتداركها في المستقبل)، لكن التوجه العالمي مشجع في هذا المجال، وهذا ما دفع بالمؤسسة لمحاولة ملء هذا الفراغ في العالم العربي. وقد ثبت وفق دراسة أعدها برنامج ديل للمنح الدراسية في أميركا بدعم من مؤسسة مايكل وسوزان ديل، بإن الحصول على شهادة جامعية يؤدي إلى زيادة دخل الفرد بمعدل 16,000 دولار في السنة، كما بينت الدراسة بأن الطلاب الحاصلين على منح دراسية كانوا يلتزمون أكثر بالاستمرار في نفس المجال الدراسي حتى الحصول على الشهادة أكثر من زملائهم غير الحاصلين على منح بنسبة 20 بالمئة. كما أشارت الدراسة إلى أن الأمر الذي لا يقل أهمية عن المنحة نفسها هو التوجيه والدعم المعنوي الذي يجب تقديمه للحاصل على المنحة خلال دراسته لمساعدته على الثبات على هدفه ـ ويلقى أيضاً هذا النوع من الدعم الإهتمام الكافي من مؤسسة عبدالله الغرير للتعليم. 

الشهادة الجامعية غالباً ما تكون شرطاً من شروط التأهل لدخول سوق العمل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وشباب المنطقة بحاجة ملحة لها. فالبطالة متفشية بشكل كبير بين الشباب وفق منظمة العمل الدولية التي تفيد بياناتها بأن هذه النسبة قُدرت بنحو 28 بالمئة في الشرق الأوسط و30 بالمئة في شمال أفريقيا في العام 2014. ويؤكد كيفن ميتشيل، العميد المؤقت للجامعة الأميركية في الشارقة، على أهمية المؤهل العلمي بقوله: "الدخول إلى سوق العمل في المنطقة غالباً ما يعتمد على حصول الفرد على شهادة جامعية". ويضيف: "بالنسبة للطلاب المتفوقين الذين تنقصهم الإمكانات المادية، فالمشهد حالك والفرص ضعيفة". 

ومن ناحية أخرى، فالحصول على شهادة جامعية من خلال منحة دراسية تجعل طالب الوظيفة مميزاً بنظر أرباب العمل. ويوضح ميتشيل بقوله: "في الوقت الذي تزداد فيه سوق العمل تنافسيةً، تُعد المنح الدراسية وشهادات التقدير كمؤشرات للقدرات الكامنة لطالب العمل".  

"إذا التحق الطلاب بأرقى المعاهد أو بجامعات النخبة، فهذا يمنحهم القدرة على تمكين المجتمعات التي أتوا منها"

سوف تركز مؤسسة عبدالله الغرير للتعليم على الإختصاصات التي تشهد نسب نمو عالية في الوظائف الجيدة في العالم العربي، وهي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (ما يرمز لها مجتمعة بالاسم STEM). وتقول جلبوط: "أكدت دراساتنا بأنه هناك نمواً في هذه القطاعات، يقابله نقص حاد في عدد المتخرجين الكفؤين". لكن تشجيع الشباب الصغار من الفئات غير المقتدرة على التوجه نحو الدراسات العلمية لن يكون أمراً سهلاً، إذ أن هذه المواد تعد تقليدياً صعبة يتجنبها غالبية الطلاب. وتدرك جلبوط تماماً هذه العقبة، فتقول أنه تحدٍّ يجب التعامل معه. 

ومن جهته، يعتقد سارما أنه فضلاً عن توفيرها الفرصٍ المباشرة لوظيفة أفضل، فإن المنح الدراسية ـ من خلال تمكينها الطلاب غير المقتدرين من الإنتساب إلى أفضل الجامعات في العالم ـ تساهم في خلق بيئة أكاديمية تتميز بتنوع الأفكار وقادرة أكثر على الابداع ـ ما يصب في مصلحة الجميع. والمسعى للتميز ولإحداث الفرق هو ما تهدف برامج مؤسسة عبدالله الغرير للتعليم لتحقيقه. 

ينتهي المطاف بالكثير من الطلاب المتفوقين بأن يلتحقوا إلى جامعات أو برامج جامعية دون المستوى، وذلك ببساطة بسبب عدم توفر النفاذ إلى أفضل مصادر النصح والتوجيه لهم حول طريقة اختيار أنسب الجامعات وتقديم الطلب إليها. ولتصحيح هذا الأمر، ستقدم المؤسسة المشورة والتوجيه للطلاب فيما يتعلق بالاختصاص والجامعة، بالإضافة إلى التوجيه الوظيفي. وتوضح جلبوط بأن المؤسسة في عملها هذا ستجعل الطلاب أيضاً يأخذوا بعين الاعتبار تقديم الطلب إلى جامعات راقية قد لا تكون قد خطرت على بالهم من الأساس.

وأخيراً، من شآن المنح الدراسية أن تؤدي دوراً مهماً في مستقبل صاحب المنحة وبيئته، فهي تمكنه من التعرف على النخبة في أفضل الجامعات في العالم وبناء العلاقات معهم، وربما تثمر المنح عن نشوء قادة للمستقبل أو رواد للصناعة من خلفيات أو بيئات غير متوقعة. يقول سامي محروم، مدير مبادرة الابتكار والسياسات في فرع كلية إنسياد لإدارة الأعمال في أبوظبي، أن الشباب الذين ينتمون للفئات الفقيرة ينقصهم الحس المرهف للتمييز الحقيقي بين الجامعات ذات الجودة العالية وتلك المتدنية المستوى، مضيفاً أن هذا النقص له أثر كبير وعميق على المسار المهني للطالب في المستقبل.

قد تبدو العبارة التالية متعالية أو فوقية، كما يقول محروم الذي يضيف بأن الجامعة التي ينتسب لها المرء وزملائه في الجامعة هما أمران يحدثان بالفعل فرقاً حقيقياً ـ لا يطال صاحب الشأن نفسه فقط، بل له أثر أبعد. ويوضح قائلاً أنه إذا التحقوا بأرقى المعاهد أو بجامعات النخبة، فهذا يمنحهم القدرة على تمكين المجتمعات التي أتوا منها، لأن هذه المجتمعات سيكون بعض من مواطنيها يمشي في أروقة المصارف العالمية الكبيرة ومقرات الشركات متعددة الجنسيات، ليكونوا عملياً بمثابة "سفراء غير رسميون" لها.

توافق مايسة جلبوط أيضاً على أن فرص من هذا النوع لها دورها، وتأمل بأن يساعد برنامج المنح الدراسية لمؤسسة عبدالله الغرير للتعليم الشباب العرب غير المقتدرين على مد الجسور وبناء العلاقات مع أوساط أصحاب النفوذ وذلك من خلال الانتساب إلى الدورات التدريبية في المهارات القيادية، والعمل كمتدربين في الشركات، والنفاذ إلى الوظائف الجيدة. وتقول: "نحن نأمل بأن يصبحوا قادة المستقبل في المنطقة، وأن يساهموا بمختلف الحلول ويرفعوا مستوى الابتكار، والأهم أن يشاركوا في بناء المسار نحو تنمية مستدامة في المنطقة". 

ويرى سانجاي سارما أن القدرة الحقيقية للمنح الدراسية هي في الأثر الاجتماعي الواسع الذي تحدثه. ويقول: "إن المؤسسات والأفراد الذين يستثمرون بالمنح الدراسية هم أبطال غير مكللين. والفائدة الوحيدة التي يجنوها هي لدى معرفتهم بأنها أدت إلى شيء عظيم. لكن الفائدة المباشرة على المجتمع هي فعلاً هائلة".

ابق على اتصال

احصل على أحدث إعلاناتنا

التسجيل